حيدر حب الله

131

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

في البداية يجب أن نعرف أمراً مهماً ، وهو أنّ الرسول صلى الله عليه وآله قد امِر في القرآن الكريم - في موضعين منه - بجهاد الكفّار والمنافقين ، قال تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ( التوبة : 73 ، والتحريم : 9 ) ، فقد تكرّرت الآية بعينها بلا زيادة ولا نقيصة ولا اختلاف في موضعين : التوبة والتحريم ، وهذا يعطينا مؤشراً على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله - بعد نزولها مكرّرةً مما يفيد التشديد في هذا الأمر - يفترض أن يواجه بغلظة وشدّة ، بل وجهاد ، كلّ المنافقين الذين يعرفهم ، فلا يمكن القول بأنّه يعرف المنافقين ، ولكنّه تركهم ؛ إذ هو مأمورٌ بالجهاد والغلظة ، فلا يجوز له أن يقرّب المنافقين ويدنيهم ويجعلهم من خاصّته ووجوه الناس عنده أو يؤمّرهم هنا وهناك بعد هذا الأمر الواضح ، ما لم تبرز استثناءات واضحة في هذا المجال . فلو كان حول النبيّ من الصحابة بالمعنى الأصولي أشخاصٌ لم يجاهدهم النبيّ ولم يغلظ عليهم ، دلّ ذلك على عدم نفاقهم أو على عدم علمه صلى الله عليه وآله بنفاقهم . وهذه نقطة مهمّة لدراسة الموقف . نعم ، قد لا يُقدم النبيُّ على قتلهم - وهم محيطون به - ولو لأجل الخوف من أن يقال بأنّ محمداً يقتل أصحابه ، كما جاء في بعض الروايات التاريخيّة « 1 » ، فيترك ذلك آثاراً سلبيّةً على المجتمع العربي ومدى اقترابه من الدعوة الجديدة ، لكنّه - على الأقلّ - مُطالبٌ بالضرورة بفضحهم والتشدّد معهم ، وكشف أمرهم بوضوح وقاطعيّة أمام المجتمع الإسلاميّ ، بحيث يصبح أمرهم واضحاً للمسلمين في أواخر الحقبة المدنيّة ، إنّ منطق الأشياء يقول ذلك فيما يبدو لنا . هذا ما يعني أنّنا يجب أن نفسّر ظاهرة النفاق في أواخر العصر المدنيّ بوصفها ظاهرة مستترة ، وإلا فالمنافقون الظاهرون كان أمرهم معروفاً ، وصاروا محارَبين متخارجين عن

--> ( 1 ) انظر : المسترشد : 540 - 541 ؛ ومسند ابن حنبل 3 : 355 ، 393 ؛ وصحيح البخاري 6 : 66 ، 67 ؛ وصحيح مسلم 8 : 19 .